د.عبداللطيف الحمادة -استشاري الطب النفسي في مركز مطمئنة الطبي- البحرين: الجميع معرض لنوبات الهلع والنساء أكثر عرضة.. وطرق علاجية حديثة لمواجهته

الثلاثاء 29 ديسمبر 2015م

يُعد اضطراب الهلع هو احد اضطرابات القلق الشائعة والمصحوبة بالخوف الشديد من الموت أو فقدان العقل والسيطرة أوالاصابة بأزمة قلبية. ويوضح الدكتور عبداللطيف الحمادة استشاري الطب النفسي بمركز مطمئنة الطبي إن تشخيص نوبة الهلع يقتضي وجود أربعة من الأعراض التالية على الاقل مجتمعة، فهناك النوبات المتوقعة تحصل للشخص المتحفز بمثيرات (أفكار أو مواقف محددة) مثلا، التعرض لضغط نفسي شديد أو صدمة وغيرها، أما المفاجئة فلا وجود لأفكار أو مواقف وتباغت بلا مقدمات أو محفزات وهي التي ترتبط غالبا باضطراب الهلع.

«أعراض الهلع»: وتشمل الأعراض خفقان، وغصة، وارتجاف في الأطراف العليا والسفلى، وصداع، وثقل في الرأس، ودوار، وغثيان، وتقيئ، وضعف، وتنمل الأطراف العليا والسفلى، وتعرق، ورفيف في منطقة المعدة، ولعثمة في الكلام، وعدم ارتياح، وانقباض في الصدر وغيرها، وقد تستمر النوبة من 10-15 دقيقة وأحيانا تصل إلى 20-30 دقيقة ونادرا تصل لأكثر من ساعة. «تشخيص المرض»: ويتطلب التشخيص حدوث نوبات هلع متكررة مفاجئة متوقعة مصحوبة إما بترقب الشخص أو لفترة شهر أو اكثر لوقوع اخرى وإما بحصول تغييرات سلوكية غير تكيفية واضحة لفترة شهر، وقد يرافق تلك النوبات المتكررة رهاب الاماكن المفتوحة وهو الخوف من الاماكن أو المواقف التي يصبح الخروج منها صعبا أو التي لا يمكن الحصول فيها على مساعدة سريعة عند حدوث نوبة الهلع مثل الاماكن المزدحمة والجسور أو الباصات وغيرها.

«أسباب الإصابة»: في الحقيقة، ليست هنالك اسباب معروفة لاضطراب الهلع بل توجد عوامل مؤهلة للاصابة بالمرض مثل الوراثة والظروف العائلية والضغوط الحياتية والتغيرات الدماغية. وتحدث نوبات الهلع نتيجة للحدة في الاستجابة للمثيرات البسيطة والبطء في التكيف مع المثيرات المتكررة وذلك كله ناجم عن خلل في إفراز بعض الموصلات العصبية مثل النورابينفرين والسيروتونين والكابا، نتيجة لعوامل وراثية أو عائلية أو تركيبية. «أمراض مشابهة»: هناك بعض الاضطرابات النفسية قد تعطي أعراضا مشابهة لأعراض اضطراب الهلع مثل اضطراب القلق العام وداء الوسواس القهري والرهاب(الفوبيا) واضطراب الكرب بعد الصدمة وأيضا اضطرابات عضوية مثل اضطراب الغدة الدرقية وهطول الصمام التاجي والفيوكروموسايتوما (مرض الغدة الكظرية أو فوق الكلوية) وسرطان القولون والتهاب القولون التهيجي وتعاطي الكحول والمخدرات والإفراط في التدخين وتناول القهوة والشاي ومشروبات الطاقة...الخ.

«الجميع معرض له»!!! ومن الحقائق المهمة حول الهلع، هي أن أي شخص معرض للاصابة بالهلع سواء كان شخصا «قلقا» أم لا، وهنالك بعض الاشخاص اكثر عرضة للاصابة بالهلع من غيرهم، فمثلا النساء اكثر عرضة للاصابة من الرجال بمرتين أو ثلاث مرات، كما يبدأ الاضطراب عادة بأعمار الشباب المبكرة ولكنه قد يصيب كل الاعمار بلا استثناء، ويصيب الفقير والغني والصغير والكبير على حد سواء، وقد يؤدي اضطراب الهلع إلى الادمان نتيجة الاعتقاد الخاطئ من الشخص المصاب بأن الكحول والمخدرات والحبوب المهدئة قد تفيده في السيطرة على نوبات الهلع. يؤثر الهلع سلبا على العلاقات الشخصية للمصاب بسبب سلوكه التجنبي الرافض الذي يؤدي إلى الانزعاج والاحباط لدى الاخرين، وبالمقابل فإنّ هذه المشاعر قد تؤدي إلى استياء المريض نفسه وابتعاده عنهم. إن أعراض نوبة الهلع هي فعلا أعراض معوقة وتبدو حقيقية، ولكن ما يشعر به المصاب في نوبة الهلع في حقيقة الامر ما هو إلا تضخيم لاستثارة الجهاز العصبي السمبثاوي، ومن المعتاد ان نرى عددا من اطباء الطوارئ مشغولين بشخص مذعور، فنوبة الهلع تأتي للمرء كنوبة قلبية بلا سابق إنذار وتباغته بشدة وتتصاعد، فتجعل المريض مبهورا والأطباء يضطرون إلى الانهماك معه نتيجة الاعراض شبه القلبية الشديدة مثل تسارع ضربات القلب وضيق التنفس الشديد والغصة والتعرق والغثيان والذعر وغيرها، فهي نوبة تبدو وكأنها قادمة من المجهول وقد لا تعزى لمحفزات مباشرة ولكنها قد تحدث بعد عدة اشهر من تعرض الشخص لضغط نفسي ما: كالصدمة أو الانفعال الشديد أو أي من مسببات الضغط النفسي الشديد وغيرها. ومن الجدير بالذكر، ان نوبات الهلع قد تحصل اثناء النوم وهذه حالة ليست نادرة وتدعى باضطراب الهلع الليلي وهي تختلف عن فزع النوم فقد توقظ المريض بأعراض تشبه أعراض النوبات النهارية مثل ألم الصدر والتعرق والرعشة ولكنها تختلف في زيادة شدة ضيق التنفس والخوف الشديد من الموت وعدم ادراك الذات والمحيط، وتنمل في الأطراف العليا والسفلى وشعور غريب لدى المريض بأنه غير مرتبط بما حوله كما لو كان حالما أو مراقبا لنفسه عن بعد، وهي بالتأكيد تؤدي إلى اضطراب النوم.

«علاج الهلع»: ويرتكز علاج اضطراب الهلع على العلاج النفسي أو العلاج بالعقاقير (مضادات الاكتئاب) أو كليهما إضافة إلى استخدام مضادات القلق (المهدئات) وفي بعض الاحيان تضاف مضادات الذهان ومثبتات المزاج ولكنها لا تستخدم خطأ أولا في العلاج. ان العقاقير تساعد بشكل كبير في علاج اضطراب الهلع وعادة نستخدم مثبطات استرجاع السيروتونين الانتقائية وهي مضادات اكتئاب تؤخذ بشكل يومي وقد تصرف معها مضادات القلق قصيرة الأمد (البنزودايازبين) والتي لها مفعول سريع لكنها تصرف بشكل مؤقت ومحسوب كي لا تتسبب في الادمان. وما أعتقده هو ان علاج اضطراب الهلع بالاعتماد على الجلسات العلاجية النفسية أو جلسات الاسترخاء فقط، قد يحوله إلى داء يصعب شفاؤه، فاضطراب الهلع هو من اكثر الاضطرابات النفسية استجابة للعلاج إذا ما عولج المريض بشكل سليم ومبكر ومنتظم باستخدام العقاقير جنبا إلى جنب مع العلاج النفسي. ان تمارين التنفس أو التقنية الذهنية (تيقظ الفكر والمشاعر والحواس) أو كليهما قد يساعدان في تخفيف حدة النوبة، على أن يكون التنفس عميقا بحيث تنتفخ البطن في الشهيق لا الصدر، فمثلا شهيق خمس ثوان وحبس الهواء في الصدر خمس ثوان وزفير خمس ثوان أو اكثر بحسب اختلاف القدرات الفردية، مع التذكر دائما أن الهلع هو صفارة إنذار كاذب لا خوف منها، وضرورة التركيز على التنفس عند حصول النوبة ومحاولة ايقاف كافة الافكار السلبية المخيفة وتشتيتها ثم التركيز على الاشياء المحيطة بالفرد والتفكير بايجابية. إن هاتين الطريقتين تكونان اكثر فاعلية في درء نوبات الهلع لو استخدمتا فور الشعور بالترقب (القلق) الحاصل قبل النوبة. ان تهدئة المريض من قبل الاشخاص المحيطين به عند حدوث النوبة وتذكيره بأن الامر عادي وما هي الا صفارة إنذار كاذب، لهو أمر ضروري مع اشغاله بحديث متشعب على ألا يتركوا له فرصة للتفكير في أعراضه، ومساعدته فيما بعد في التخطيط لحل المشكلات الضاغطة إن أمكن. وهناك أسلوب مساعد وهو الاسترخاء العضلي الشامل بدءا من فروة الرأس حتى اصبع القدم، ويصعب تطبيق هذا التكتيك في الاماكن العامة أو عند حدوث النوبة، والاهم هو ان يتقبل المصاب ما يحدث ويعلم ان النوبة سوف تنتهي قريبا ويسعى لذلك. ان تفهم المصاب لحقيقة نوبة الهلع اثناء حدوثها بدلا من الخوف منها والشعور بالاحباط لهو امر في غاية الاهمية، فبمجرد معرفة ان تسارع ضربات القلب مثلا هي نتيجة استثارة الجهاز العصبي السمبثاوي وأن ذلك امر سوف ينتهي عاجلا ولا يهرب ويصمد فحتما سوف ينجح.

هل نستسلم له؟ ومن الاهمية بمكان ان يعلم المصاب ان اضطراب الهلع قد يغير نمط حياته، فهل يستسلم له؟؟ في الحقيقة ان البعض يستسلم وحينها سيجعل نوبات هلعه أشد، ومثال على ذلك الخوف المستمر بين النوبات وترقب حصول النوبة القادمة وكذلك تجنب المواقف والاماكن المرتبطة بالنوبات مثل الاجتماعات والزيارات وركوب الطائرة أو ان يجلس قرب الممر في السينما وغيرها. أو ربما لا يستطيع حتى ان يذهب لوحده في نزهة الا ان يلازمه شخص يثق به لكي يساعده ولا يتخلى عنه عند حدوث النوبة! ثم يقول ان هذه امور بسيطة ولكن نمط حياته قد تغير سلبا «في حقيقة الامر» بسبب تجنب المواقف والاماكن التي يعتقد أنَّه سيتعرض لنوبة هلع فيها. ربما يخدع الهرب الشخص المصاب فالأخير عندما يهرب ستضعف وتختفي النوبة، فيشعر بأنه قد نجح وأن قراره كان صائبا عندما خرج من الموقف المسبب فيتكون ارتباط شرطي بين الهلع والمكان الذي كان فيه (قطار أو سينما أو اجتماع أو غيرها) فإذا بدأ يتجنب تلك الظروف المحفزة تحسن يومه، ولكن التجنب قد يسبب اهمال الواجبات البيتية أو الدراسية أو الوظيفية وغيرها وما يترتب على ذلك من خسائر معنوية ومادية، وهو قد لا يدرك انه بذلك سوف يتوغل اكثر في الهلع، وربما يشعر بأنه في حالة مستقرة نسبيا وليس هلعا ولكنه في حقيقة الامر استسلم للهلع فتجنب المثيرات وغير نمط حياته، وهنا تكمن احدى الحاجات الملحة لمراجعة الطبيب النفسي. ومن الحقائق المهمة الاخرى حول علاج اضطراب الهلع هي ان للتمارين الرياضية والاكل الصحي تأثيرا واضحا في السيطرة على نوباته، وفوائدها عديدة فقد أكّدت الابحاث ان المشاركة في نشاطات رياضية معتدلة ومنتظمة تقلل من الضغط النفسي والقلق وتقلل من نوبات الهلع وأن عدم تعاطي الكحول والنيكوتين (التدخين) وعدم تناول المنبهات بكثرة كالقهوة ومشروبات الطاقة وغيرها تقلل من حصول النوبات. ان تجنب نوبات الهلع قد يزيد من الخوف وهنالك العديد من الذين يعانون من الهلع لديهم سلوكيات تجنبية بتفادي المواقف المثيرة للهلع مثلا تجنب مجمعات الشراء المزدحمة أو عدم السفر بالطائرة... رغم ان سلوكيات التجنب قد تبدو منطقية في البدء ولكنها قد تجعل المريض يفقد اللذة في الاستمتاع بالحياة، وقد تمنعه من حضور المناسبات الاجتماعية المهمة أو السفر لمسافات طويلة وغيرها، لأنها تعزز القلق والخوف من مواقف وأماكن معينة قد لا يستطيع الفرد ان يستغني عنها... وبدلا من تجنب المواقف المسببة للهلع يجب اقتحامها بجرأة مع محاولة التنفس بعمق ويتم التركيز على التنفس خلالها، فقد يلاحظ المريض ان التنفس اصبح سريعا وسطحيا، فيجب أن يتحكم به ويتنفس ببطء وبعمق مع استنشاق الهواء من الانف وملء الرئتين والبطن والنفخ من الفم إلى ان يهدأ... وهكذا وستفلح تمارين التنفس بعمق وتقنيات الذهن والاسترخاء الاخرى في تخفيف حدة النوبة. ومن الضروري فهم دواعي استعمال مضاد القلق الفوري المساند لعلاج اضطراب الهلع (البنزودايازبين)، حيث تتجلى اهميته في التخلص من أعراض القلق والترقب بين النوبات، ومنع حصول نوبات اخرى، وإنهاء نوبة الهلع الممتدة لأكثر من 10 دقائق ومن هنا تبرز اهمية تناول هذا العقار اثناء حصول النوبة. قد يشفى 30-40% من الذين يعانون من اضطراب الهلع تماما على المدى العلاجي الطويل شرط الانتظام على العلاج بدقة، ويبقى 50% من المرضى يعانون من أعراض بسيطة لا تؤثر بشكل واضح على حياتهم، وتبقى لدى 10-20% من المرضى أعراض واضحة ومؤثرة وخاصة لدى من يستهين بالعلاج النفسي والعلاج بالعقاقير الموصوف من قبل الاطباء النفسيين وقد يتحول إلى مرض مقاوم من جراء ذلك. ان الثقافة بهذا المرض لغير المختصين امر مهم شرط تجنب الخوض بعمق في الجوانب التشخيصية والعلاجية والسببية التي هي من اختصاص الطبيب النفسي، فالتوغل في الاضطرابات النفسية وطرق علاجها من غير المختصين قد يعرضهم ويعرض المرضى لاضطرابات نفسية ومشاكل حياتية لا حصر لها، هم في غنى عنها اصلا، فليس كل الاشخاص مؤهلين للخوض في الطب النفسي.

وصلة الخبر في موقع صحيفة اخبار الخليج على شبكة الإنترنت

الخبر على ملف PDF

د.عبداللطيف الحمادة -استشاري الطب النفسي في مركز مطمئنة الطبي- البحرين: الجميع معرض لنوبات الهلع والنساء أكثر عرضة.. وطرق علاجية حديثة لمواجهته

2017 - مركز مطمئنة الطبي البحرين - جميع الحقوق محفوظة © 2015

www.motmaenabh.com